جلال الدين السيوطي

728

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

[ سورة البقرة ، الآية : 109 ] فلم أدر ما وجه ذلك . فقال : ينبغي أن تعلم أنّ ههنا أشياء كثيرة قد بقيت عليك . فاعتذرت ووعدته بالرجوع إلى ما كان تعوده مني . انتهى ما أورده الزبيديّ . في تذكرة ابن مكتوم عن كتاب الفصوص لصاعد اللغويّ ، قال : قال محمد : قال لي القاضي ابن أم شيبان ، قال لي القاضي أبو عمر : كان بين المبرّد وثعلب من المماظّة والمنافسة ما لم يكن بين عالمين ، وكان يكبر كلّ واحد منهما صاحبه ، وإذا دخل تلميذ أحدهما على الآخر ، أمر بغسل موضعه بعد انصرافه ، وتهاجيا ، فيما تداوله الناس ، قال : فعهدي بأبي العباس ثعلب وأنا بين يديه في مجلسه وعنده أصحابه ، إذ قيل له إنّ أبا العباس المبرّد مقبل إليك زائرا لك وقاضيا حقّك ، فقام من مجلسه ، ومشى حافيا إليه حتى أبعد من المسجد ، فلما رآه المبرّد كذلك ، نزل عن حماره ، وعرّفه ما عزّ عليه من مشيه إليه ، وتعانقا ودخلا المسجد ، فأجلسه ثعلب في موضعه وجلس بين يديه ، وأخذا في التنصّل من قلة الالتقاء ، ولعنا الناقل عنهما ، والمورش بينهما ، ثم دخلا في فنون الأحاديث والملح . فلم أعدل قط لحديثهما سرورا ، ولا علمت اثنين يجتمعان على نضارة مثل ذلك الحديث ، وكيف ما أدركه القلم من لفظهما ، ثم تودّعا ، فشيّعه ثعلب حتى أخذ بركابه ، وانصرف ، فلما رجع إلى مجلسه بقي أصحابه في حيرة من أمرهما ، ولم يعلموا على أيّ شيء يحملون أمرهما في تلك العداوة المفرطة وهذه الملاقاة الكريمة ، فعلم ثعلب ما في نفوس أصحابه ، فأنشأ يقول : أتانا فلما بصرنا به * حللنا الجنى وابتدرنا القياما فلا تنكرنّ قيامي له * فإنّ الكريم يجلّ الكراما وقال صاعد في الفصوص : حدثني أبو الحسين علي بن مهدي الفارسيّ : في معجم الأدباء لياقوت « 1 » : حدّث الزّجّاج ، قال : أنشدنا المبرّد : فيّ انقباض وحشمة فإذا * رأيت أهل الوفاء والكرم

--> ( 1 ) معجم الأدباء : 1 / 58 - 59 .